محمد محمد أبو ليلة

123

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

السحرة وعمل اللّه تعالى ، وبين دعوى الخلق ووعد الخالق ؛ وهكذا يكون لفظ " الفرقان " خاصا بالقرآن لأن التمييز ، وتنصيب الأدلة والأعلام على الحق من أهم الخصائص التي تفرد بها القرآن . من هذا يتبين ضعف رأى الكاتب في التعلق بالآيات القرآنية . فلقد كان القرآن معروفا للمسلمين والكفار ، وما كان محمد صلى اللّه عليه وسلم ليسكت هذا الوقت الطويل ، منذ بداية دعوته حتى قبيل غزوة بدر ، وهو يتلقى من ربه الكلمات ، والآيات ، والسور ، فلا يسمى " القرآن " كتابا ، كما يزعم ويلش ؛ وليس من المعقول أن نتصور أن المسلمين كانوا يجهلون أن اللّه تعالى أنزل على محمد كتابا ، فيه الهدى والنور ، والفرقان اسمه " القرآن " . يزعم ويلش مرة أخرى " أن الدليل يؤكد أن محمدا كان قد فكر في جمع القرآن ؛ إلا أن مسئولياته الضخمة كرجل دولة وقائد أمة كانت تتقدم وتتطور بسرعة هائلة ، جعلته يرحل عن الدنيا دون أن يحقق الغرض ويكمل جمع القرآن " . ويضيف المستشرق نفسه قائلا " يبدو أنه من الصحيح أن محمدا كان قد ساهم في جمع القرآن ، ووجّه إلى كتابته ، كما هو مؤيّد بنصوص الأحاديث ، التي تخبرنا أنه كان يملى القرآن على كتّاب الوحي ، ويعلمهم كيف يرتبون آيات الوحي وسوره . وأنه ( أي محمد صلى اللّه عليه وسلم ) كان أحيانا يضع آية جديدة في سياق سورة قديمة " « 1 » . ويذكر المستشرق أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يقم بنفسه ، في الأغلب الأعم ، بالكتابة الفعلية للقرآن وبالتحقيق العلمي له ، بخاصة في المدينة المنورة ، حيث كان قد اتخذ كتّابا للوحي ليقوموا عنه بهذه المهام الشاقة ؛ ولكنه ليس من الممتنع في نظر المستشرق أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم كان يكتب الوحي بنفسه في بعض الأحيان ، ويصر الكاتب على أن محمدا كان قادرا على القراءة والكتابة ، ولم يكن أميا البتّة ؛ ونلاحظ هنا تردد الكاتب بين النفي والإثبات ، فمحمد صلى اللّه عليه وسلم لم يكتب القرآن بنفسه ، وهو في الوقت نفسه قد كتب بعض القرآن ؛ إن المستشرق يتخير من العبارات والأساليب ، التي تجعل القارئ الغربى يندفع إلى الشك لأول وهلة في القرآن ، وبخاصة هؤلاء الذين ليست لهم معرفة تامة بهذا الكتاب ؛ فتصوير محمد صلى اللّه عليه وسلم على أنه رجل دولة ، مشغول بشئونها ، معنىّ بأمورها ؛ وأنه لم يتمكن بسبب ذلك من جمع القرآن في حياته ، وأنه ترك عملية الجمع كلها غالبا للصحابة ، وعملية تحقيق النص القرآني بأكملها إلى كتّاب الوحي ، كل هذا كلام يقطر افتراء وتشكيكا في

--> ( 1 ) . 141 See Islamic Encyclopedia p . 404 , d Bell and Montogomry Watt Introductionpp . - 142 ؛ انظر : البخاري . فضائل القرآن . الباب الثاني . حديث رقم 2 ، أبو داود " الصلاة " ج 3 ص 2 ، 59 .